إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

سبل الحكمة

صورتي
جيجل, جيجل, Algeria
عبد الوهاب بوزحزح – مولود بقسنطينة 1959 – ليسانس فلسفة من جامعة قسنطينة – ليسانس علوم قانونية وإدارية من جامعة جيجل – أستاذ التعليم الثانوي في مادة الفلسفة بجيجل منذ 1986

جسر التواصل

جسر التواصل
جسر سيدي مسيد - قسنطينة

الخميس، فبراير 25، 2010

الإصلاحات التربوية في الجزائر - مسلمتان ضروريتان

مسلمتان ضروريتان لأي نظام تربوي
من المسلّمات التي يقوم عليها أيّ نظام تربوي أن اعتماد محتوياته يقوم على دراسة تضع في اعتبارها أمرين أساسيين:
•   الأول: ملاءمة البرامج لقيم المجتمع من جهة ، وللواقع من جهة أخرى.
وأعنى بملاءمة البرامج لقيم المجتمع أن تكون منبثقة عن فلسفة ما ، تعكس ثقافة المجتمع وخصوصياته ، والتي تميزه عن غيره من المجتمعات ، ولا تميِّعه في محيط من الآيديولوجيات ، وفي نقس الوقت أن يستهدف تحقيق حاجاتِ ومطالبَ مناسبة للواقع المحلي والعالمي.
•   الثاني: ملاءمة البرنامج لشخصية التلميذ أو المتعلِّم.
لا أحب أن أخوض في مدى ملاءمة المناهج لقيم المجتمع وأقتصر على الحديث عن مدى ملاءمتها لشخصية التلميذ. وأبادر بهذا السؤال:
هل هذه المناهج مناسبة لمستوى التلميذ عامة ؟ وهل منهاج الفلسفة مناسب لمستواه في المرحلة الثانوية خاصة ؟
أقول أن وضع البرامج والمناهج التربوية في مختلف مراحل الدراسة ، يُفْترَض فيه أن يقوم على أسس علمية تُراعَى فيها قدراتُ الطفل العقليةُ ، وحاجاتُه الحيويةُ والنفسية ، واهتماماتُه الطبيعية ، وذلك بغرض تنمية شخصيته ، وإعداده للحياة ، حسب الغايات الحضارية والأهداف القومية والوطنية. هذا ما درسناه ، نحن معشر المعلمين والأساتذة في المعاهد التكنولوجية للتربية وفي المدارس العليا للأساتذة. وهذا ما تعجُّ به كتب التربية وعلم النفس التربوي ، وما تؤكد عليه الوثائق الرسمية ، التي تُزَوِّدُ بها وزارةُ التربية الوطنية ، المعلمين والأساتذةَ ، تحت تسمية: برنامج أو دليل أو منهاج. وهذا ما تُردِّده الوثائق شبه الرسمية التي يعدّها المركز الوطني للوثائق التربوية وغيرهُ من الهيئات التابعة للوزارة أو مديريات التربية. وعليه أرى من المفيد أن أنطلق ، في مناقشة مدى ملاءمة هذه المناهج لشخصية التلميذ ، من التصور العام عن القوى المشكلة للشخصية. وهي حسب تصنيف علماء النفس للقوى النفسية ، تتكون في جانبها الذاتي من ثلاث قوى نفسية هي:
•   القوى العقلية. وتقوم بوظائف الإدراك والتذكر والتخيل.
•  القوى الانفعالية. وتقوم بوظائف الشعور بالانشراح والراحة النفسية والطمأنينة ، أو بالشعور بالضيق والانزعاج النفسي والقلق ، وهي كلها تقوم على مبدأ اللذة والألم.
•  القوى الفاعلة ، وتقوم بوظائف النزوع نحو الفعل. وأساسها الإرادة.
أما الجانب الموضوعي لها فهو الجانب السلوكي. وقوامه المهارات التي اكتسبها الشخص ، والتي تعدُّ انعكاسا للجانب الداخلي في الشخصية.
ويفترض في المنظومة التربوية أن تسعى لبناء هذه الشخصية وتنميتها ، وذلك بتنمية القدرات العقلية للطفل ، وتهذيب طباعه الشخصية ، وتدريبه على التحكم في سلوكه ليكون أهلا لتحمل المسؤولية حال استقلاله في الحياة ، وذلك وفقا لأهداف قومية تجعل منه مواطنا صالحا أو إنسانا صالحا ، دون الخوض في مواصفات المواطن أو الإنسان الصالح. وإن مصطلح النمو لهو من المصطلحات الأساسية والمألوفة في مجال التربية والتعليم. غير أنه يفقد معناه إذا لم يراعَ في العملية التربوية. لذا من الضروري أن نقف عند معناه ومدى تحقُّقِه.
à       معنى تنمية الشخصية
من أبرز العناصر الملازمة لمفهوم التنمية ، معنى الانتقال من مرحلة إلى مرحلة أرقى كمّا ونوعا ، وهذا يستلزم التدرُّجَ ، والتدرّجُ يقتضي التراكُميةَ ، والتراكمية لا تتحقق مع الإضطراب والتردد وعدم الاستقرار، وعدم المراجعة الجدِّية. وأؤكِّد في المراجعة على الجدية. ذلك أن كل المؤشرات تدل على عدم توفر هذه الجدية ، وهذا هو الملاحظ مع هذه الإصلاحات للأسف ، وذلك منذ أزمة 1992 ، والتي فرضت تغييرات متسرِّعة ، وغير مستقرة ، الملاحظ فيها: تراكم المشاكل دون تراكم الخبرة. فإلى أي مدى يتحقق هذا المعنى في البرامج المقررة ؟ هل هي في مستوى القدرات العقلية للطفل؟ وهل هي في مستوى قدراته الحسية والحركية ؟ وهل هي في مستوى حاجاته النفسية واهتماماته ؟ وإذا لم تكن مناسبة لهذه القدرات ، أي إذا كانت دونها أو فوقها ماذا سيحصل للعملية التربوية ؟
أبدأ بالإجابة على الشق الثاني من السؤال وهو انعكاس عدم الملاءمة على العملية التربوية.
à       انعكاس عدم الملاءمة على العملية التربوية [تجميد القدرات الأصلية بالكسل أو شلَّها بالإرهاق]
في حالة عدم ملاءمة المنهاج لقدرات التلميذ فإن النتيجة لا تخرج عن أحد احتمالين:
•  الأول: جمود شخصية الطفل نتيجة للملل والكسل. ويحصل هذا إذا كان مستوى هذه البرامج دون مستوى قدراته الأصلية. ذلك أنه سيحدث له نوع من التعالي على هذه البرامج التي تبدو له عقيمة ، إذ لا تضيف لرصيده شيئا جديدا ، لأنها في نظره شيء مألوف لديه أو سهل ، قد تَعَلَّمَهُ من قبل أو بإمكانه أن يتعلمه دون حاجة إلى المدرسة. وفي هذه الحالة يستولي الملل على نفسه ويفقد الرغبة في التعلم والنتيجة النهائية هي أن نشاطه يتجمد. ومن هنا يمكن أن نستخلص حقيقة تربوية هي: أن القدرات الأصلية يمكن تجميدها بالكسل.
•   الثاني: شلل القدرات الأصلية نتيجة الإرهاق. ويحصل هذا إذا كان مستوى البرامج المقررة يفوق مستوى قدراته الأصلية. ذلك أنه سيحدث له نوع من النفور منها لعدم قدرته على استيعابها ، وينعكس هذا على تقديره لشخصه ، فيفقد ثقته بنفسه. إذ أنه في مثل هذه الحالات سيجد نفسه أمام عقبة يستحيل عليه تجاوزها ، وعندها سيصاب بالشلل أمامها ، وهذا أمر طبيعي ، فإن العقبة إذا تجاوزت إمكانية القدرة على تخطِّيها فلن يحاول أيُّ عاقل تحدّيها. وأبسط مثال أنك إذا وجدت أمامك حاجزا يبلغ مترين ونصفا أو يزيد قليلا ، فستحاول تسلُُّقَه. لكن إذا كان هذا الحاجز يبلغ علوه عشرة أمتار أو أكثر ، فمن العبث أن تحاول القفز عليه أو تسلقه مباشرة ، فإما أن تبحث عن سلم ترتقيه وإما أن توقف محاولاتك العابثة. ومن هنا يمكن أن نستخلص حقيقة تربوية ثانية هي: أن القدرات الأصلية يمكن شلُّها بالإرهاق. وسواء تجمدت القدرات الأصلية بالكسل أو شُلّت بالإرهاق فإن النتيجة واحدة وهي فشل العملية التربوية. وقبل أن أتطرق إلى بعض مظاهر هذا الخلل أحب الإشارة إلى ملاحظتين تتعلقان بمجال خارج عن النطاق الذي أَلْزَمْتُ نفسي - وأنا أكتب في الموضوع - بالتقيد به ، من عدم الحديث في الجانب الآيديولوجي في المناهج الجديدة ، وعدم تقدير محتواها المعرفي ، لأن هذا يحتاج إلى مسح شامل لا قِبَلَ لي به ، بل وينوءُ بالعُصْبة أولي العلم والخبرة ، لكني لم أستطع عليه صبرا ، كما لم يستطع موسى  ـ عليه السلام ـ مع الخضر صبرا إذ لم يطق أن يسكت على ما رآه منكرا ، فنسي وعده للخضر بأن لا يسأله عن شيء حتى  يحدث له منه ذكرا. كذلك وجدتني مضطرا إلى الانعطاف إلى ملاحظتين استطراديتين هما:
- الملاحظة الأولى: عن مستوى لغة الكتب المقررة. أنا أزعم أنها لغة ضحلة لخلوها من المعنى الذي يستزيد به التلميذ معرفة ، أو يستفيد منه قيمة أخلاقية  أو جمالية. وأنها لغة سطحية لقصورها في تبليغ المعنى بدقة ، إن كان لها معنى. وكمثال عن هذا ، إليكم هذه الفقرة(1):
"... ليذهبوا يوم الأربعاء مع عمهم الخميس لصلاة الجمعة".
وقد والله حاولت أن أجد لهذه الفقرة معنى مقبولا فلم أجد سوى أن كاتبها أراد فقط أن يذكر أيام الأسبوع في سياق من الترابط اللفظي. لكنه مناقض للمنطق ، إذ كيف يذهب لصلاة الجمعة يوم الأربعاء ، دون أن يكون هناك داع لمخالفة المنطق ، كداعي المتعة الفنية مثلا ، لكن لا أجد في هذه الفقرة أيّ علامة على الصنعة الفنية. وهذه الفقرة ما هي إلا مجرد مثال من الأمثلة التي لا تحصى عن مستوى ضحالة اللغة المستعملة في الكتب المقررة.
هذا الذي أقول أراه صوابا ويحتمل الخطأ ، وأتمنّى أن يهتم أصحاب الشأن بهذا الجانب ، وأقصد بأصحاب الشأن المعلمين والأساتذة وكذا المفتشين ، لا بصفتهم موظفين رسميين ملزمين بتبليغ التعليمات الرسمية ومتابعتها ، وإنما بصفتهم ملاحِظين وناقدين لا يتقيدون بغير ما يُخْبِرهم به الواقع والخبرة ، وما يمليه عليهم ضميرهم كمربّين. أتمنّى أن يبحثوا في هذا الجانب ويعطوا رأيهم فيه ويساهموا في ترقية الذوق الفني والمحافظة على جمال اللغة العربية في النصوص التربوية.
- الملاحظة الثانية عن السموم الأيديولوجية  
يوجد بعض السُّموم في المحتوى ، لها مفعول خطير ، لكن على المدى البعيد ، لأنه يفعل فعله بِصَمْت وبُطْء وهدوء ، حتى يتمكن من تشكيل قناعات ستتحول إلى عقيدة مسلمة لدى التلميذ المتخرِّج بعد حوالي عقد ونصف. وإليكم مثالا عن هذا وهو نص من كتاب اللغة العربية للسنة الثانية من التعليم الابتدائي وهو كلمة ترحيب على لسان بنت تدعى سلمى.
النص:
 "مرحبا بكم يا أطفال!
أنا سلمى تلميذة في السنة الثانية من التعليم الابتدائي ،  بجانبي أختي زينب. على يميني صديقَيَّ عصام وأخته صباح ، وعلى يساري صديقَيَّ طارق وهدى..."(2)  
وموضع الشاهد في هذا النص هو صفة صديقي. إن هذه العلاقة ، أي علاقة الصداقة بين بنت وولد ، ما عرفَتْها ثقافـتُنا ، ولا أعرافُنا وتقاليدُنا الأصيلةُ. ولئن وُجِدَت حالاتٌ ، معدودةٌ ومحدودةٌ، فقد كانت معدودةً في المخالفات التي تجلب للواقعين فيها العارَ وسوءَ الذِّكر بين الناس. وإن نصا واحدا في البرامج التربوية من هذا النوع كفيل بكسر هذا الحاجز الأخلاقي بين الجنسين ، ويفتح المجالَ للتوسع بينهما في الحديث والخِلطة والرفقة والالتقاء في مواعيد ستتحول إلى مواعيد غرامية ولا حاجة بي إلى تتمة حلقات المسلسل فهي معلومة. إن علماءنا ، إذ حرّموا مثل هذه العلاقة ، وإن مجتمعنا الأصيل إذ التزم بتوجيهات علمائنا ، خلال أربعة عشر قرنا تقريبا ، قبل أن تطغى موجة التغريب والفَرْنَجة ، إنما فعلوا ذلك سدّا للذريعة ، لأن هذه العلاقة تبدأ بريئة لكنها ستتطور إلى علاقة مشبوهة وتنتهي بعواقب غير محمودة. فسدّا لهذا الباب وضعوا قاعدة لها استثناءات. لكن البرامج العصرانية هذه حولت الاستثناء إلى قاعة دون استثناء.
هذه واحدة من الملاحظات الكثيرة في هذا النص فقط ، وأتمنى من أصحاب الشأن أن يُشبِعوا الموضوعَ بحثا ناقدا مثلما أصمّ آذانَنا العصرانيون المُتَفَرْنِجون بضجيجهم وصخبهم الإعلامي حتى تَمكَّنوا من فرض قناعاتهم لا بقوة الحجة والإقناع وإنما بالمكر والخداع.
٭٭٭ ۲ ٭٭٭

(1) 1 ) كتاب التربية العلمية والتكنولوجية للسنة الثانية ابتدائي ص38
(2) كتاب اللغة العربية للسنة الثانية من التعليم الابتدائي الجزء الأول ص 6

0 commentaires: